الشيخ محمد علي الأنصاري

17

الموسوعة الفقهية الميسرة

وأجيب عنه : بأنّ المراد من الآيتين وأمثالهما هو : أنّ الكفّار المصرّين على الباطل لن ينتفعوا بالتذكير والموعظة ، كما أنّ الأموات الذين صاروا إلى قبورهم لن ينتفعوا بالتذكير والموعظة بعد أن خرجوا من الدنيا على كفرهم « 1 » . هذا وقد استفاضت الروايات من الطرفين - الشيعة والسنّة - بأنّ الأموات يسمعون كلام الأحياء ويأنسون بهم ، فقد روى الكليني في الكافي بسند صحيح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في زيارة القبور ، قال : « إنّهم يأنسون بكم ، فإذا غبتم عنهم استوحشوا » « 2 » . وروى عنه عليه السّلام بسند صحيح أيضا ، قال : « إنّ المؤمن ليزور أهله فيرى ما يحبّ ويستر عنه ما يكره ، وإنّ الكافر ليزور أهله فيرى ما يكره ويستر عنه ما يحبّ ، قال : ومنهم من يزور كلّ جمعة ، ومنهم من يزور على قدر عمله » « 1 » . وروى أيضا في كيفية زيارة قبور المؤمنين عن عبد اللّه بن سنان ، قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : كيف التسليم على أهل القبور ؟ فقال : نعم ، تقول : السلام على أهل الديار من المسلمين والمؤمنين ، أنتم لنا فرط ، ونحن إن شاء اللّه بكم لاحقون » « 2 » . وقد ورد في صحيح مسلم عن عائشة : أنّها قالت : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم - كلّما كان ليلتها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم - يخرج من آخر الليل إلى البقيع ، فيقول : السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وأتاكم ما توعدون غدا مؤجّلون ، وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون ، اللهمّ اغفر لأهل بقيع الغرقد » « 3 » . وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما - واللفظ للثاني - : « أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ترك قتلى بدر ثلاثا ، ثمّ أتاهم فقام عليهم فناداهم فقال : يا أبا جهل بن هشام ، يا اميّة بن خلف ، يا عتبة بن

--> ( 1 ) انظر الإغاثة بأدلّة الاستغاثة ( للسقّاف ) : 6 ، ونقل ذلك عن مختصر تفسير ابن كثير ( للصابوني ) أيضا . وبعبارة أخرى : أنّ المراد من الإسماع في الآية هو التذكير المؤثّر في القلب لا الإسماع الحسّي ، وإلّا فإنّ الكفّار كانوا يسمعون كلام اللّه وكلام النبيّ صلّى اللّه عليه واله ، لكن كان بعضهم يتأثّر بكلامه ولا يتأثّر بعضهم الآخر ، فالذي تأثّر فكأنّما سمع كلام النبيّ صلّى اللّه عليه واله والذي لم يتأثّر لم يسمع . فالتشبيه بين هذا القسم من الكفّار وبين الأموات من حيث عدم تأثير التذكير والموعظة لا من حيث عدم إمكان الإسماع ، فإنّه يمكن أن يتحقّق في الأحياء الكفّار بإسماع حسّي وفي الأموات - مسلمين كانوا أو كفّارا - بإسماع برزخي كما دلّت عليه الروايات المشار إليها في المتن . ( 2 ) الكافي 3 : 228 ، باب زيارة القبور ، الحديث الأوّل . 1 الكافي 3 : 230 ، باب أنّ الميّت يزور أهله ، الحديث الأوّل . 2 الكافي 3 : 228 ، باب زيارة القبور ، الحديث 5 . 3 صحيح مسلم 2 : 669 ، كتاب الجنائز ، باب ما يقال عند دخول القبور ، الحديث 974 .